أحمد بن محمد المقري التلمساني

272

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

استزقنا السمع فسمعنا الأذفونش يقول لأصحابه : ابن عباد مسعر هذه الحروب « 1 » ، وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في الحروب فهم غير عارفين بهذه البلاد ، وإنما قادهم ابن عباد ، فاقصدوه واهجموا عليه ، واصبروا ، فإن انكشف لكم هان عليكم الصحراويون بعده ، ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة ، فعند ذلك بعث ابن عباد الكاتب أبا بكر بن القصيرة إلى السلطان يوسف يعرفه بإقبال الأذفونش ، ويستحث نصرته ، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين ، فعرفه بجليّة الأمر ، فقال له : قل له : إني سأقرب منه إن شاء اللّه تعالى ، وأمر يوسف بعض قواده أن يمضي بكتيبة رسمها له حتى يدخل محلة النصارى فيضرمها نارا ما دام الأذفونش مشتغلا مع ابن عباد ، وانصرف ابن القصيرة إلى المعتمد ، فلم يصله إلا وقد غشيته جنود الطاغية ، فصدم ابن عباد صدمة قطعت آماله ، ومال الأذفونش عليه بجموعه ، وأحاطوا به من كل جهة ، فهاجت الحرب ، وحمي الوطيس « 2 » ، واستحرّ « 3 » القتل في أصحاب ابن عباد ، وصبر ابن عباد صبرا لم يعهد مثله لأحد ، واستبطأ السلطان يوسف وهو يلاحظ طريقه ، وعضته الحروب « 4 » ، واشتد عليه وعلى من معه البلاء ، وأبطأ عليه الصحراويون وساءت الظنون ، وانكشف بعض أصحاب ابن عباد وفيهم ابنه عبد اللّه ، وأثخن ابن عباد جراحات ، وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه وجرحت يمنى يديه ، وطعن في أحد جانبيه ، وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدّم له آخر ، وهو يقاسي حياض الموت ، ويضرب يمينا وشمالا ، وتذكر في تلك الحالة ابنا له صغيرا كان مغرما به تركه في إشبيلية عليلا ، وكنيته أبو هاشم فقال : [ المتقارب ] أبا هاشم هشّمتني الشّفار * فللّه صبري لذاك الأوار « 5 » ذكرت شخيصك تحت العجاج * فلم يثنني ذكره للفرار ثم كان أوّل من وافى ابن عباد من قوّاد ابن تاشفين داود بن عائشة ، وكان بطلا شجاعا شهما ، فنفّس بمجيئه عن ابن عباد ، ثم أقبل يوسف بعد ذلك ، وطبوله تصعد أصواتها إلى الجوّ ، فلما أبصره الأذفونش وجه حملته إليه ، وقصده بمعظم جنوده ، فبادر إليهم السلطان

--> ( 1 ) مسعر الحروب : مؤججها ومقوي نارها . ( 2 ) حمي الوطيس : اشتدت الحرب وأول من استعملها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ( 3 ) استحرّ القتل : أي كثر واشتد . ( 4 ) في ب ، والروض « وعضته الحرب » . ( 5 ) هشمتني : حطمتني ، كسرتني . والشفار : جمع شفرة ، وأراد بها هنا السيوف . والأوار : حرّ النار .